الغزالي
37
إحياء علوم الدين
ولا تطمع فيما في أيديهم ، فتستعجل الذل ، ولا تنال الغرض . ولا تعل عليهم تكبرا لاستغنائك عنهم ، فإن الله يلجئك إليهم ، عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء . وإذا سألت أخا منهم حاجة فقضاها ، فهو أخ مستفاد . وإن لم يقض فلا تعاتبه ، فيصير عدوا تطول عليك مقاساته . ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه مخايل القبول ، فلا يسمع منك ويعاديك وليكن وعظك عرضا واسترسالا ، من غير تنصيص على الشخص . ومهما رأيت منهم كرامة وخيرا فاشكر الله الذي سخرهم لك ، واستعذ باللَّه أن يكلك إليهم . وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شرا ، أو أصابك منهم ما يسوءك ، فكل أمرهم إلى الله ، واستعذ باللَّه من شرهم ، ولا تشغل نفسك بالمكافأة ، فيزيد الضرر ، ويضيع العمر بشغله . ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي ، واعتقد أنك لو استحققت ذلك لجعل الله لك موضعا في قلوبهم ، فاللَّه المحبب والمبغض إلى القلوب ، وكن فيهم سميعا لحقهم ، أصم عن باطلهم ، نطوقا بحقهم ، صموتا عن باطلهم واحذر صحبة أكثر الناس ، فإنهم لا يقيلون عثرة ، ولا يغفرون زلة ، ولا يسترون عورة ، ويحاسبون على النقير والقطمير ، ويحسدون على القليل والكثير ، ينتصفون ولا ينصفون ، ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون ، يغرون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان ، فصحبة أكثرهم خسران ، وقطيعتهم رجحان . إن رضوا فظاهرهم الملق ، وإن سخطوا فباطنهم الحنق ، لا يؤمنون في حنقهم ، ولا يرجون في ملقهم . ظاهرهم ثياب ، وباطنهم ذئاب . يقطعون بالظنون ، ويتغامزون وراءك بالعيون ، ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون . يحصون عليك العثرات في صحبتهم ، ليواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم . ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة ، بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد ، فتجربه في عزله وولايته ، وغناه وفقره ، أو تسافر معه ، أو تعامله في الدنيا والدرهم ، أو تقع في شدة فتحتاج إليه ، فإن رضيته في هذه الأحوال ، فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا ، أو ابنا لك إن كان صغيرا ، أو أخاك إن كان مثلك . فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق حقوق الجوار اعلم أن الجوار يقتضي حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام ، فيستحق الجار المسلم